أحمد بن محمد المقري التلمساني

58

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وقال رحمه اللّه تعالى : ومن نثري ما خاطبت به السلطان على لسان ولده من مالقة ، وقد وصلت به إليه من المغرب : « مولاي الذي رضا اللّه تعالى مقترن برضاه ، والنّجح مسبّب عن نيّته ودعاه ، وطاعته مرتبطة بطاعة اللّه ، أبقى اللّه تعالى عليّ بكم ظلّ رحماه ، وغمام نعماه ! وزادني من مواهبه هداية في توفية حقّه الكبير فإنّ الهدى هدى اللّه ! « يقبّل مواطئ أقدامكم التي ثراها شرف الخدود ، وفخر الجباه ، ويقرّر من عبوديّته ما يسجّل الحقّ مقتضاه ، ويسلّم على مثابة رحمتكم السلام الذي يحبّه اللّه تعالى ويرضاه ، ولدكم وعبدكم يوسف ، من منزل تأييدكم بظاهر مالقة حرسها اللّه ، والوجود ألسن بالعزّ بالله ناطقة ، والأعلام والشجر ألوية بالسعد « 1 » خافقة ، وأنواع التوفيق متوافقة ، وصنائع اللطيف الخبير مصاحبة مرافقة . وقد وصل ، يا مولاي ، لعبدكم المفتخر بالعبودية لكم ما بعث به على مقامكم ، وجادت به سحائب إنعامكم ، ولمن تحت حجبة ستركم المسدول « 2 » ، وفي ظلّ اهتمامكم الموصول ، ولمن ارتسم بخدمة أبوابكم الشريفة من الخدام ، وأولي المراقبة والالتزام ، ما يضيق عنه بيان العبارة ، ويفتضح فيه لسان القول والإشارة ، من عنايات سنيّة ، ونعم باطنة وجليّة ، وملاحظة مولوية ، ومقاصد ملكيّة ، فما شئت من قباب مذهبة ، وملابس منتخبة « 3 » ، وأسرّة مرتّبة ، ومحاسن لا مستورة ولا محجّبة ، واللواء الذي نشرتم على عبدكم ظلّه الظّليل ، ومددتم عليه جناح العزّ الجليل ، جعله اللّه تعالى أسعد لواء يسير في خدمتكم ! ومدّ عليّ وعليه لواء حرمتكم ! حتى يكون لجهادي بين يديكم شاهدا ، وبالنصر العزيز والفتح المبين عليكم عائدا ، ولطائفة الخلوص لأمركم قائدا ، ولأولياء بابكم هاديا ولأعدائكم كائدا . واتّفق يا مولاي أن كان عبدكم قد ركب مغتنما برد اليوم ، ومؤثرا للرياضة في عقب النوم ، والتف عليه الخدام ، والأولياء الكرام ، فلمّا عدنا تعرضت لنا تلك العنايات المجلوّة الصور ، المتلوّة السور ، وقد حشر الناس ، وحضرت منهم الأجناس ، فعلا الدعاء ، وانتثر الثناء « 4 » ، وراقت الأبصار تلك الهمّة العليا ، فنسأل اللّه تعالى يا مولاي أن يكافىء مقامكم بالعزّ الذي لا يتبدّل ، والنصر الذي يستأنف ويستقبل ، والسعد الذي محكمه لا يتأوّل ، والعبد ومن له على حال اشتياق للورود على أبوابكم الرفيعة المقدار ، وارتياح لقرب المزار : [ الوافر ]

--> ( 1 ) الألوية : جمع لواء . وهو العلم والراية . وخفوقه : اضطرابه وتحركه في الهواء . ( 2 ) سدل الستر : أرخاه ، فهو مسدول . ( 3 ) منتخبة : مختارة ، منتقاة . ( 4 ) في ب « الدعا ، الثنا » بدون همزة .